العادات الموروثة .. تجربة القرد الخامس !

آخر تحديث : الخميس 10 نوفمبر 2016 - 11:00 مساءً
هل سبق لك عزيزي القارىء أن سألت نفسك: لماذا يتمسك بعض أفراد المجتمع خصوصاً كبار السن بالعادات والتقاليد بهذا الحماس منقطع النظير؟
 ولماذا تتحول العادات والتقاليد عند البعض إلى أمر مقدس يستميت في الدفاع عنه بدرجة تتجاوز بكثير حماسته للعبادات الدينية؟
ففي حين نجد أن الدين يعطي مجالاً للتفكير والاختلاف والتعددية من خلال الآراء الفقهية المعتبرة الا ان التقليد والعادة وما تعارف عليه الأسلاف هو من يقود المجتمع في نهاية الأمر!
لا بد أن لمثل هذا السياق الاجتماعي تفسيراً من الناحية النفسية ، ولهذا دعني يا صديقي أرافقك من خلال السطور القادمة نحو إحدى أهم التجارب ذات الدلالات العلمية في ما يعرف حالياً بفرع علم النفس الإجتماعي.
هذه التجربة أطلق عليها العلماء مسمى( تجربة القردة الخمسة )
 تجربة على خمسة قرود
يقوم الباحث في هذه التجربة بوضع خمسة قردة في صندوق محكم الإغلاق، ويضع في سقف الصندوق موز يتدلى أمامها لكنها لكي تصل  إلى الموز تحتاج لتسلق سلم صغير مربوط برشاش ماء ساخن ولهذا فبمجرد أن يضع أي من القرود قدمه على السلم بإتجاه الموز فإن الرشاش يطلق ماء ساخن على بقية القرود الأربعة !

بعد عدد بسيط من المحاولات تبدأ المجموعة بمنع أي قرد من الإقتراب للسلم ( الموز ) خوفاً من الماء الساخن. وأي قرد يقترب من السلم يتم ضربه من باقي المجموعة ومنعه من ذلك.

ممنوع الإقتراب
يقوم الباحث بعد ذلك بتغيير أحد القرود بقرد جديد ليس لديه أدنى فكرة عن ما يحدث ، وبمجرد أن يحاول القرد الجديد الإقتراب من المنطقة المحظورة المحيطة بالموز فإنه يتلقى عقاباً مبرحاً من باقي القردة دون أن يفهم أو يستوعب ما هو الجرم الذي إرتكبه بمحاولته خطف الموز !
يستمر الباحث في هذه التجربة بتغيير القرود بأخرى جديدة حتى يقوم بإستبدال كامل المجموعة بعد فترة ، العجيب في الأمر انه حتى بعد استبدال كل القرود الخمسة بأخرى جديدة لم يعاصر أيّ منها حادثة رش المياه إلا ان المجموعة ظلت محتفظة بنفس التقليد الذي ورثته من أسلافها في ذات الصندوق !

ظل القرد الجديد يقلّد ما تفعله المجموعة دون أن يتسائل لماذا نفعل ذلك ؟! ودون أن يفهم لماذا هو ممنوع الإقتراب من هذا المكان؟

اقرأ أيضا...
بل وحتى بعد أن تغيرت درجة حرارة الماء بمرور الزمن ولم يعد ساخناً كالسابق وربما انه جف أيضاً إلا أن المجموعة حافظت على تقاليدها وعاداتها التي ورثتها عن أسلافها دون وعي أو تفكير !
جاء التحذير المباشر من التقليد الأعمى للأسلاف في القرآن الكريم من خلال سورة البقرة حيث يقول الله سبحانه وتعالى فيها :
(( وإذا قيل لهم إتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ))

العادة الموروثة كبح للإبتكار و الإستثمار في المستقبل

في علم الإدارة الحديثة يتحدث كبار المدراء التنفيذيين عن “البيروقراطية” كداء قاتل للإبداع والإبتكار ، فالبيروقراطي يستنسخ الأنظمة والقوانين دون فهم لروحها ودون أن يسأل لماذا وُجدت من الأساس ؟!في المقابل فإن الإداري الناجح لا يكف عن السؤال عن مبررات النظام لأنه يدرك ان الحياة متغيرة، وان العالم من حوله يتطور ويتقدم وما كان عائقاً في زمنٍ ماضي قد يتحول مع الوقت إلى حافز وفرصة قابلة للإستثمار في الوقت الحالي.
أختم بعبارة تستحق التأمل طويلاً للعالم العربي بن خلدون حيث يقول:
( إتباع الموروث لا يعني ان الأموات أحياء بل كل ما يعنيه هو أن الأحياء أموات ) !
إضاءة :
يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛
” لا ترغموا أبناءكم على عاداتكم فقد خلقوا لزمانٍ غير زمانكم “
بواسطة: د.محمد اليوسف